تطاوين:طقس بارد يوم السبت القادم وامطار متوقعة بحول الله       أسماء أعضاء مجلس النواب القادم بالتفصيل حسب كل قائمة       النتائج الاولية للانتخابات التشريعية بالتفصيل       تطاوين:اكثر من04ألاف مقترع لم يشاركوا في الانتخابات والنهضة تخسر قرابة ألفي صوت       تطاوين:27 فائمة في تطاوين مطالبة بارجاع المنحة الانتخابية للدولة والا ستحرم من المشاركة في الانتخابا       تطاوين:نتائج الانتخابات التشريعية في تطاوين بالتفصيل       تطاوين:ابن خلدون أكبر مركز اقتراع بتطاوين يضم3869ناخب و07مكاتب اقتراع       تطاوين:نسب التصويت بمحتلف مكاتب الاقتراع بتطاوين       تطاوين :46 % نسبة التصويت الى حدود الساعة الثالثة       تطاوين:الاستاذ المحتار صميدة رئيس القائمة17يبنفي اي علاقة له بالارساليات القصيرة المزورة    
 
 

أدخل الأسم و كلمة السر : ارسال البيانات

تطاوين دال-Tataouine DEL » المنتديات » المنتدى العام » المنتدى العام


المشاركة السابقة : المشاركة التالية
» تاريخ وجذور الحركة اليوسفية

  الكاتب : تطاوين دال

المدير العام


غير متصل حالياً

المشاركات : 6411

تأريخ التسجيل
 الجمعة 29-10-2010

 

مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في الأحد 26-06-2011 04:56 مساء - الزوار : 3239 - ردود : 1


شكلت  اتفاقيات الحكم الذاتي، التي تم توقيعها في تونس في 3 حزيران 1955، والتي  مُنحت تونس بموجبها استقلالاً داخلياً، منعرجاً سياسياً وتاريخياً كبيراً  في تاريخ الحركة الوطنية التونسية، التي كان يقودها الحزب الدستوري الجديد  بزعامة الحبيب بورقيبة. وعاشت تونس فترة مخاض عسيرة بين 3 حزيران 1955 و 20 آذار/مارس 1956، تاريخ استقلال تونس،  حيث تفجرت كل التناقضات الأيديولوجية و السياسية والشخصية، التي كانت  الحركة الوطنية قد طمستها خلال مرحلة تأطيرها وتجنيدها لكل القوى الحية من  أجل خوض معركة التحرر الوطني، والظفر بالاستقلال.
وهكذا، تفجر الصراع  بين جناح الحبيب بورقيبة رئيس الحزب الحر الدستوري الجديد، الذي كان من أشد  المدافعين عن التسوية السياسية مع الاستعمار الفرنسي، وبين جناح صالح بن  يوسف الأمين العام للحزب، الذي كان من أشد المعارضين لهذه التسوية. ومنذ  حينئذ ولدت الحركة اليوسفية، التي كان صالح بن يوسف أحد عناصرها ومكوناتها،  ولكنها كانت تضم تيارات فكرية وأحزاب سياسية ومنظمات نقابية وعناصر وطنية  وأخرى ثورية، تؤمن بالكفاح المسلح، وقطاعات شعبية عريضة، متناقضة مع نهج  الحبيب بورقيبة المساوم مع الاستعمار الفرنسي. فالحركة اليوسفية هي أحد  تعبيرات الأزمة الحادة التي دخلت فيها الحركة الوطنية التونسية، والتي أدت  إلـى اكبر انشقاق شهده حزب الدستور الجديد، وكشفت بأن هذا التنظيم ليس  حزباً سياسياً له برنامج واضح وعقيدة ثابتة لا تتزحزح، بقدر ما هو " حركة  وطنية " التفت حولها تيارات مختلفة وأحياناً متباينة(1) .
1 - مكونات الحركة اليوسفية :
تعود  جذور الحركة اليوسفية إلـى بدايات هذا القرن حين تشكل الحزب الحر الدستوري  سنة 1920، على يد الزعيم عبد العزيز الثعالبي، الذي كان من أركان الإصلاح  الاجتماعي و الاقتصادي، والإصلاح الفكري الديني في تونس، وكان متشبثاً  بالتراث العربي الإسلامي، كمصدر للتشريع، ومؤمناً بأن العرب أمة واحدة لا  بد أن تتوحد. فقد كتب على سبيل المثال في مجلة الشهاب التي كانت تصدر في  الجزائر في عدد يوليو سنة 1939 تحت عنوان " الوحدة العربية في طريق التحقيق  " بقوله : " الوحدة العربية كيان عظيم ثابت، غير قابل للتجزئة والانفصال،  يشغل قسماً كبيراً من رقعة آسيا الغربية وشطراً من أفريقيا يمتد رأسه في  الشرق من المحيط العربي، ويسير مغربا غربا إلـى المحيط الأطلنطي، ويضم في  هذا الشطر نصف القارة الأفريقية ".
وقد وقف الحزب الحر الدستوري القديم  إلـى جانب صالح بن يوسف الذي أصبح يرى فيه معبراً عن تطلعات وأفكار الحزب  الدستوري القديم، ومدافعاً عن توجهاته، والزعيم الكبير صاحب الرصيد النضالي  القادر على أن يضاهي بورقيبة، والوقوف بندية في وجهه. كما وقفت جامعة  الزيتونة المدافعة عن الهوية العربية الإسلامية لتونس إلـى جانب صالح بن  يوسف، نظراً لعداوتها التقليدية لبورقيبة بسبب علمانيته وميوله الغربية  السافرة.
وانضم كبار الفلاحين الذين مكنهم صالح بن يوسف من العبور إلـى "  الاتحاد العام للفلاحة التونسية " إلـى الحركة اليوسفية، بهدف حماية  مصالحهم أمام خطر النزعة العمالية الاشتراكية، التي كان يمثلها الاتحاد  العام التونسي للشغل الذي تحالف مع الرئيس بورقيبة خلال فترة الانشقاق داخل  الحركة الوطنية.
وأنضم أيضا قسم من جيش التحرير الفلاقة) الذين لهم  ميول عروبية مشرقية إلـى الحركة اليوسفية، بهدف استعادة مكانتهم في معركة  التحرير الوطني، واستعادة سلاحهم الذي جردهم منه بورقيبة، ليحصد وحده ثمرة  كفاحهم ويحصد تضحياتهم وما بذلوا من دمائهم وأرواحهم(
كما أن البرجوازية  التقليدية التونسية - التي بدأت آنذاك تتضح معالمها الطبقية و  الأيديولوجية، وهي تحاول أن تكون وطنية وأكثر راديكالية من فئات الطبقة  الوسطى المهزوزة ذات الطابع الإقليمي، وجدت ضالتها في الحركة اليوسفية، لأن  هذه الأخيرة كانت تطالب " بتحرير المغرب العربي تحريراً كاملاً، وفي سبيل  توحيد سوق المغرب العربي".
وفيما جرَّت الحركة اليوسفية وراءها في تونس  القوى التقليدية المتداعية، المتعلقة بالماضي والمتخوفة من المستقبل،  والمدافعة عن الهوية العربية الإسلامية للبلاد، كان جناح بورقيبة رئيس  الحزب الحر الدستوري الجديد المتشبع بالثقافة الفرنسية، والمدافع عن مشروع  المستعمر التمديني، والذي ينادي بسياسية المراحل - وبمبدأ خذ وطالب - الذي  يندرج ضمن ما يسميه بفلسفة " التهديد والترغيب " قد استقطب فئات الطبقة  الوسطى المدنية والريفية، وكذلك العمال والأجراء والموظفين المنضوين تحت  لواء الاتحاد العام التونسي للشغل بزعامة أحمد بن صالح، الذي تقدم ببرنامج  اقتصادي واجتماعي ذي طابع إصلاحي أهم ركائزه تأميم الشركات الاستعمارية  الفرنسية وبعث قطاع تعاضدي خاصة في الفلاحة مع سن قوانين اجتماعية عصرية،  والاعتماد على تدخل الدولة في الميدان الاقتصادي على أساس تخطيط يحدد أهداف  ووسائل لتحقيق التنمية الاقتصادية.
كان الاتحاد العام التونسي للشغل  يمثل رأياً مستقلاً عن رأي الحزب الدستوري الجديد، هو رأي تيار الطبقة  الوسطى الإصلاحي والعمال. وكان الاتحاد يدافع عن فكرة استقلاليته كقوة  تنظيمية عن هذا الحزب وسياسته الاحتوائية، حيث كانت تمثل مركزية مسار بن  صالح في أفقه السياسي، الذي يحده سقف بناء مجتمع على غرار الديمقراطيات  الاسكندنافية. وفي خضم الأزمة الحادة التي عرفتها الحركة الوطنية اليوسفية  بسبب اتفاقيات الحكم الذاتي، تحالف الاتحاد العام التونسي للشغل مع جناح  الحبيب بورقيبة.
2 - البعد القومي للحركة اليوسفية
يعود البعد القومي  العربي للحركة اليوسفية إلـى المؤتمر الذي عقد في القاهرة عام 1947، وضم  كافة حركات التحرر الوطني في المغرب العربي وتونس. وقد أنبثق عن هذا  المؤتمر لجنة سميت " لجنة تحرير المغرب العربي في 5 كانون ثاني 1948، أسندت  رئاستها إلـى الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وأمانتها العامة للحبيب  بورقيبة، وينص ميثاق اللجنة على المبادئ التالية :
1 - " المغرب العربي بالإسلام كان، وللإسلام عاش، وعلى الإسلام سيسير في حياته المستقبلية.
2  - المغرب العربي جزء لا يتجزأ من بلاد العروبة وتعاونه في دائرة الجامعة  العربية، على قدم المساواة مع بقية الأقطار العربية أمر طبيعي ولازم.
3 - الاستقلال المأمول للمغرب العربي هو الاستقلال التام لكافة أقطاره الثلاثة تونس والجزائر ومراكش.
4 - لا غاية يسعى لها قبل الاستقلال.
5 - لا مفاوضة مع المستعمر في الجزئيات ضمن النظام الحاضر.
6 - لا مفاوضة إلا بعد إعلان الاستقلال.
7  -للأحزاب الأعضاء في " لجنة تحرير المغرب العربي " أن تدخل في مخابرات مع  ممثلي الحكومة الفرنسية والإسبانية على شرط أن تضطلع اللجنة على سير مراحل  هذه المخابرات أول بأول.
8 - حصول قطر من الأقطار الثلاثة على استقلاله التام لا يسقط عن اللجنة واجبها في مواصلة الكفاح لتحرير البقية.
وافق على هذا الميثاق محمد بن عبد الكريم الخطابي ورؤساء الأحزاب الوطنية المغربية التالية :
* عن تونس - الحزب الدستوري الجديد - الحبيب بورقيبة، الحبيب تامر، الحزب الدستوري القديم - محي الدين القليبي.
* عن الجزائر - حزب الشعب الجزائري : الشاذلي المكي - الصديق السعدي.
*  عن المغرب - حزب الإستقلال - علال الفاسي، أحمد بن مليح. حزب الشورى  والاستقلال : محمد العربي العلمي، الناصر الكتابي، حزب الإصلاح الوطني، عبد  الخالق الطريس، محمد أحمد بن عبود. حزب الوحدة المغربية. محمد اليمني  الناصري(3) .
وقد دبت الخلافات بين أعضاء مكتب المغرب العربي، وخاصة بين قيادة الحبيب بورقيبة التي
وافقت  منذ البدء على الارتباط بالأنظمة الرجعية العربية، وبالإمبريالية  الأميركية، لأنها رأت أن المعادلات الدولية أساساً هي التي تأتي بحل  للمسألة الوطنية التونسية، وبين قيادة كل من الدكتور الحبيب ثامر، ويوسف  الرويسي عضو الديوان السياسي للحزب الجديد ورئيس لجنة تحرير المغرب العربي  بدمشق، والأمير عبد الكريم الخطابي، بسبب الموقف من الكفاح المسلح.
ومن  العوامل التي أسهمت إسهاماً فعلياً في تعميق البعد القومي للحركة اليوسفية،  وبالتالي في إخراج المسألة الوطنية التونسية من حيزها القطري الضيق إلـى  بعدها العربي، اندلاع ثورة 23 يوليو في مصر عام 1952 بزعامة عبد الناصر،  التي شكلت نقطة انعطاف كبيرة في صعود الحركة القومية العربية إلـى واجهة  الأحداث، من خلال تحقيق الاستقلال والجلاء، وتحرير الفلاحين من قيود  الملاكين العقاريين الكبار وظلمهم، وتوسيع القطاع العام، وتأميم الرأسمال  الأجنبي، والقضاء على البرجوازية الطفيلية، ورفع عبد الناصر شعاره المجلجل "  ارفع رأسك يا أخي فقد ولى عهد الاستبداد " الذي تردى صداه في كل الوطن  العربي، ومن خلال مقاومة الهيمنة الإمبريالية، عبر مقاومة الأحلاف  العسكرية، والدعوى إلـى الحياد الإيجابي، حيث شكل انعقاد مؤتمر باندونغ  بإندونيسيا في نيسان 1955، حدثا سياسياً هائلاً في كل العالم، حين شاركت  فيه كل من الهند والصين ومصر ويوغسلافيا، وحين جسد ذلك المؤتمر خطا سياسياً  واضحاً يدعو إلـى مقاومة الاستعمار، ومساندة حركات التحرر الوطني في  العالم، وخاصة في شمال أفريقيا، وبانتهاج الحياد إزاء الصراع السياسي  والأيديولوجي بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية.
وكان  الزعيم صالح بن يوسف قد حضر مؤتمر باندونغ، وهذا ما عزز حضوره السياسي  كزعيم وطني، وعزز أيضا علاقاته مع عبد الناصر، وزعماء العالم الثالث آنذاك.
وفضلا  عن ذلك، كان لهزيمة الإمبريالية الفرنسية في معركة " ديان بيان فو " في  فيتنام في 7 أيار 1954، واندلاع الثورة المسلحة في الجزائر في أول نوفمبر  من العام ذاته، الأثر البالغ في تجذير الحركة اليوسفية من ناحية، وفي إجراء  الدولة الفرنسية تعديلات على سياستها الاستعمارية القديمة لجعلها مقبولة  أكثر من ناحية أخرى.
فعندما أصبح صالح بن يوسف زعيما لحركة المعارضة  للاتفاقيات عام 1955، تلقى الدعم القوي من جانب قيادات الحزب الدستوري ذات  الاتجاه القومي المعروف، وخاصة من يوسف الرويسي الذي كان يعتبر مشاركة بن  يوسف في حكومة المفاوضات على أساس غير الاستقلال خيانة للالتزامات الوطنية  والقومية (4) . كما اصطف مندوب الحزب الدستوري في القاهرة إبراهيم طوبال،  إلـى جانب صالح بن يوسف، حيث أصبح الممثل الرسمي للحزب الدستوري الجديد في  لجنة تحرير المغرب العربي.
وكانت لجنة تحرير المغرب العربي قد عقدت اجتماعاً بالقاهرة بتاريخ 14 أكتوبر 1955، واتخذت فيها القرارات التالية :
أولاً - فصل الديوان السياسي للحزب ورئيسه الحبيب بورقيبة من عضوية اللجنة.
ثانياً  - اعتبار أن السلطات التي للديوان السياسي قد انتقلت إلـى يد الأمين العام  صالح بن يوسف، نظراً لأنه هو الذي بقي محافظاً على المبادئ الاستقلالية  التي انضم الحزب على أساسها إلـى لجنة تحرير المغرب العربي.
ثالثاً -  يبقى ممثل السيد صالح بن يوسف إبراهيم طوبال ) هو الممثل الرسمي للحزب  الدستوري في لجنة تحرير المغرب العربي إلـى أن يتمكن جمهور الحزب من البت  في مصير الديوان السياسي الحالي وتعيين المسؤولين الجدد في سياسة الحزب  وذلك في جو بعيد عن الإرهاب الفرنسي وضغط الديوان السياسي الحالي.
هذه  القرارات هدفها حماية الحركة الاستقلالية بالمغرب العربي من التوجه  الاستعماري الذي بدأ يتسرب إلـى بعض القادة، وهي تؤمن بأنه لا خلاص لتونس  إلا بالعودة إلـى كفاحها المستمر في سبيل تحقيق الاستقلال الصحيح متضامنة  في ذلك مع شقيقتيها مراكش والجزائر (5) .
وهكذا، تبلور خط الحركة  اليوسفية، باعتباره تياراً وطنياً وعروبياً يقوده الزعيم صالح بن يوسف،  الذي استطاع أن يشق الحزب الحر الدستوري التونسي إلـى قسمين : الديوان  السياسي بزعامة الحبيب بورقيبة، والأمانة العامة بزعامة صالح بن يوسف.  وتلقت الحركة اليوسفية دعماً قوياً من جبهة التحرير الوطني الجزائرية  بإمضاء محمد خيضر، ومن حزب الاستقلال المغربي بإمضاء علال الفاسي.
3 - طريقتان لحل المسألة الوطنية في تونس :
انفجر الصراع بين جناحي الحزب الحر الدستوري الجديد في عام
1955،  بسبب اتفاقيات 3 حزيران من العام ذاته - يقول أحد أساتذة التاريخ  الفرنسيين التقدميين في تحليل الأحداث التي أعقبت التوقيع على اتفاقية "  الاستقلال الداخلي " لتونس عام 1955، والتي قاومها الشعب التونسي بكل فئاته  وفصائله : " وطلب بورقيبة مساندة القوات الفرنسية له من أجل قمع سريع  وبدون رحمة فقبلت الحكومة الحكومة الانتقالية ) فوراً، وتحصلت القيادة  العسكرية على الإمكانيات التي حرمت منها من قبل كي تقضي على عصابات "  الفلاقة " رجال حرب العصابات في تونس إبان الاحتلال الفرنسي ) المتمركزة  بالجبال التونسية وشنت الجيوش التونسية والفرنسية التي يدعمها الطيران  بقيادة الجنرال " غيوبون " حملة ربيع سريعة. فتم سحق الانتفاضة في ستة  أسابيع بينما أسدلت الصحافة الصمت على الحوادث.
لقد أدرك بورقيبة أن  التسوية السياسية مع الاستعمار الفرنسي هي مفتاح الحل للمسألة الوطنية  التونسية، لذلك ضحى بالمقاومة المسلحة وعمل على تجريدها من السلاح، لأنه  يعلم أن استمرار المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي، يعني أن مركز  الثقل السياسي سيميل بكل تأكيد لمصلحة الحركة اليوسفية التي تقود هذا  الكفاح المسلح، والمتحالفة عضوياً مع الثورة الجزائرية.
وعلى الرغم من  أن صالح بن يوسف حاول أن يحسم الصراع مع بورقيبة على أرضية سياسية، من خلال  انعقاد مؤتمر تاريخي للحزب ليحسم الشعب الخلاف حول الاتفاقات، إلا أن  بورقيبة بتحالفه مع الاستعمار الفرنسي ولجوئه إلـى القوة لحسم الخلاف مع  خصمه، جعل بن يوسف يحتاج إلـى أسلوب المواجهة العسكرية أمام بورقيبة الذي  هزمته شعارات العروبة والإسلام المتجذرة في أعماق نفوس الشعب التونسي.  آنذاك استقطبت الحركة اليوسفية قيادات حركة المقاومة المسلحة في تونس، ومن  بينها الطاهر الأسود باعتباره القائد العام لجيش التحرير التونسي، ومجموعات  فدائية تتألف من عناصر تونسية وجزائرية مشتركة ومن أبرزها مجموعات رضا بن  عمار بالعاصمة، عبد اللطيف زهير بالساحل التونسي، مصباح النيفر بالجنوب  الشرقي، عبد الرحمن جابا الله في الجنوب الغربي، الطيب زلاق بالشمال  الغربي. أما عن تقدير أعدادهم فيتراوح ما بين 600 و 1500 رجل.

وأمام  هذه التعبئة للمقاومة المسلحة من جانب الحركة اليوسفية، والتحام هذه  الأخيرة بالثورة المسلحة الجزائرية، وتحالفها مع حركة القومية العربية  الصاعدة في المشرق العربي، عمل بورقيبة رئيس " الديوان السياسي " للحزب  الدستوري الجديد على بعث " لجان اليقظة " وهي ميليشيات حزبية تتألف من  مجموعات مسلحة يقودها رجال مثل محجوب بن علي، وحسين بوزيان، وساسي لسود،  وحسن الصيادي، وعمر شاشية، وغيرهم، حيث كان يكمن دورها في تصفية الحركة  اليوسفية , وقد تحالفت هذه اللجان مع القوات النظامية التونسية والجيش  الفرنسي للقيام بهذه المهمة. فقد أقلع سلاح الجو الفرنسي من تونس بين 27  كانون ثاني و 2 شباط 1956 62 مرة في مهام استطلاعية أو لحماية القوافل  العسكرية (6) . وقد أدى التدخل المكثف للطيران الفرنسي إلـى إحداث مذبحة في  منطقتي مدنين ومطماطة، بعد انضمام قبائل الجنوب إلـى الحركة اليوسفية، حيث  كان الشعور بالحضور العسكري الفرنسي حاداً. وقد أسفر هذا التدخل عن أكثر  من 400 قتيل بين كانون ثاني وحزيران 1956 (7) . وقامت الشرطة من جهتها  باعتقال 2372 من اليوسفيين حسب المصادر الرسمية. هذا البطش أدى إلـى  استسلام تدريجي لأهم القبائل في الجنوب، تلاها استسلام المجموعات المسلحة.  وأبرزها استسلام الطاهر الأسود في 3 تموز 1956. وقد بلغ عدد المقاومين  الذين استسلموا للسلطات التونسية 600 رجل بين شباط وتموز 1956.
ونظراً  إلـى ما كان للحركة اليوسفية من حضور شعبي مسلح في الجنوب التونسي ومن خطر  ماحق كان يهدد الاستعمار الفرنسي على صعيد تونس والجزائر معاً، بسبب  التحالف والتمازج بين رجال المقاومة المسلحة على طول الشريط الحدودي  للبلدين، وتخوف بورقيبة من امتداد الثورة الجزائرية إلـى تونس، لجأت فرنسا  إلـى الدخول في " لعبة الاستقلال ". وهو ما أفصح عنه الآن سافاري وزير  الشؤون المغربية والتونسية آنذاك، حين صرح أمام البرلمان الفرنسي في حزيران  1956 قائلاً : " لقد وقعت فرنسا اتفاقية 20 مارس آذار ) 1956 وثيقة  استقلال تونس ) كي توقف الثورة التي تنخر تونس، وكي تقطع محاولات الالتحام  مع حركة الثورة في الجزائر، وتمنع تونس من الاشتراك في الجامعة العربية وكي  تساند أخيراً حزب بورقيبة صديق فرنسا الذي يعمل على إيقاف المد القومي  العربي تجاه أفريقيا الشمالية " (8) .
وفيما كان بورقيبة يرى حل المسألة  الوطنية التونسية في باريس عن طريق الارتماء في أحضان الغرب، ويرسم مستقبل  تونس ضمن الدائرة الغربية المتوسطية، كان صالح بن يوسف يرى أن حل المسألة  الوطنية التونسية يكمن في تعزيز التلاحم الكفاحي مع الثورة الجزائرية  المسلحة من أجل تحرير كل المغرب العربي، وفي توطيد العلاقة مع القاهرة، حيث  أصبح فيها عبد الناصر في تلك الفترة العدو اللدود للاستعمار عامة والفرنسي  بوجه خاص، بسبب دعمه المادي والمعنوي للثورة الجزائرية، وفي رسم مستقبل  تونس ضمن دائرة الانتماء للهوية العربية الإسلامية.
وهكذا، فرضت فرنسا  تسوية سياسية غير عادلة لحل المسألة الوطنية التونسية، لأن الحكومة  الفرنسية تعتبر الحبيب بورقيبة جزءاً منها، ووجوده على رأس السلطة ضرورياً،  ولأنه ينتمي إلـى القيادات العربية الاستسلامية، التي تخدم الأهداف  الغربية. ولما كان الحبيب بورقيبة لا يُمثل إرادة الشعب التونسي، ولا يدافع  عن قضيته، ولا يحترم إرادته، فقد أعلن، أنه يتبرأ من " الجامعة العربية "،  مضيفاً بقوله " إني لست منها ولا هي مني وإني لا أبالي لا بنداءاتها ولا  بشتائمها. على انه يوجد تضامن تاريخي يرتكز على ذكريات تاريخية " (9) . وقد  استنكر يوسف الرويسي بشدة " كيف يعلن الحبيب بورقيبة متحدياً شعور الشعب،  أن ما يربطنا بالعرب ليس إلا من قبيل الذكريات التاريخية. وأن مصالح تونس  ترتبط بالغرب وبفرنسا خاصة، وأن مرسيليا أقرب إلـى تونس من دمشق أو القاهرة  " (10) .
لقد نزلت الإمبريالية الفرنسية بكل ثقلها في المغرب العربي،  لتعديل ميزان القوى لمصلحة بورقيبة، ولتحسم معركة حل المسألة الوطنية  التونسية على أرضية الخط الذي يبقي تونس تدور في فلك الاستعمار الجديد. ولم  تستطع الحركة اليوسفية المدعومة عربياً أن تصمد كثيراً في هذه المعركة غير  المتكافئة. وكانت من نتيجة هذه المعركة بين التيار التغريبي الذي يقوده  بورقيبة، والتيار الوطني العروبي الذي يقوده صالح بن يوسف، أن أدار نظام  بورقيبة الجديد بظهره إلـى المشرق العربي، وعمق قطيعته مع الأمة العربية،  وبلغ به الأمر حد قطع العلاقات مع "الجمهورية العربية المتحدة " بسبب لجوء  صالح بن يوسف إلـى القاهرة وتدبيره من هناك محاولات لاغتيال الحبيب بورقيبة  (11) . وقد أصبح النظام التونسي يعيش عزلة رهيبة، خاصة بعد وصول الجزائر  إلـى الاستقلال، مما دفع بورقيبة إلى افتعال معركة بنزرت في تموز عام 1961،  التي وجد فيها بورقيبة فرصة يغتنمها لإخماد نضالات الجماهير،.. للتخلص من  العناصر اليوسفية المتحالفة مع جبهة التحرير الوطني في الجزائر، حيث أصبح  تطور النضال المسلح هناك يهدده، ويهدد الإمبريالية الفرنسية. وفي هذه  المعركة أمتنع بورقيبة عن تسليم السلاح لغير أعضاء الحزب الحر الدستوري مما  دفع بأبناء الشعب العزل إلـى أن يستقبلوا بصدورهم قنابل الطائرات الفرنسية  وسقط منهم 1500 شهيداً.
ولكن معركة بنزرت التي تكبد فيها الشعب التونسي  خسائر جسيمة على كافة المستويات، أرادها نظام بورقيبة أن تكون مدخلاً لكسر  الطوق العربي المتضامن مع الحركة اليوسفية، ولاستبعاد تهمة التعاون مع  الاستعمار الفرنسي، كما أرادها أيضا أن تكون نافذة ليطرد منها القوات  الفرنسية، ويفتح بعد ذلك الباب أمام القوات الأميركية، حيث تم إبرام  اتفاقيات سرية، منحت الولايات المتحدة الأميركية بمقتضاها قاعدتين عسكريتين  : الأولى في الجنوب، و الثانية في الشمال. كما تم إيجار ميناء حلق الوادي  للأسطول السادس الأميركي.
4 - أي مصير لاقته الحركة اليوسفية ؟
لقد  انهزمت الحركة اليوسفية في المواجهة السياسية والعسكرية مع النظام  البورقيبي الوليد، المدعوم من الإمبريالية الفرنسية. وعلى الرغم مما أصاب  فرنسا من إنهاك، بسبب تنامي المقاومة المسلحة في تونس، وتجذر الثورة  الجزائرية، فإن الإمبريالية الأميركية كانت وما زالت في عنفوانها. وإذا كان  ضعف فرنسا وطموح الإمبريالية الأميركية في احتلال موقع فرنسا، قد حمل هذه  الأخيرة على التفاوض مع بورقيبة من أجل تسوية سياسية للمسألة الوطنية  والسماح باستقلال قطري جزئي لتونس، فإن عملية الاستقلال كما طرحتها الحركة  اليوسفية، والتي تعني تشديد النضال المسلح ضد الجيوش الفرنسية على التراب  التونسي، وإجلاء القواعد الفرنسية من تونس، ومواصلة الكفاح المسلح إلـى  جانب الثورة الجزائرية، وتوحيد كامل المغرب العربي تحت راية العروبة، لم  تكن مسموحة آنذاك، ولا هي مقبولة من الغرب. فقد كان ضرورياً للإمبريالية  الفرنسية أن يبقى المغرب العربي هامشياً تابعاً، وإن بصيغ جديدة من خلال  التعامل مع النخب الحاكمة الجديدة، التي أنشأت علاقة قوية مع المراكز  الإمبريالية الغربية.
وكانت الحركة اليوسفية تمثل تياراً قومياً في  أهدافه - يرتكز على شعار العروبة و الإسلام كمرجعية ثنائية منغرسة في وجدان  المجتمع - لكنه شبه عصري وتقليدي في واقعه، وتلفيقي في منهجه، يكفي أن  نشير هنا إلـى طبيعة القوى التي اصطفت إلـى جانب الحركة اليوسفية، وهي  القوى التقليدية المتشبعة بالفكر الإصلاحي السلفي، الفكر المصفح إزاء ما  يشكل جوهر العصر أو جوهر الحضارة الغربية.
فالحركة اليوسفية لم تستطع أن  تبلور فكرها الإيديولوجي المستقل والقائم بذاته، كما هو الحال بالنسبة  للحركات القومية في المشرق العربي، لأنها حركة ارتبطت بردود الفعل الوطنية  بسبب اتفاقيات 3 حزيران 1955. ولهذا ظلت أسيرة الفكر التلفيقي الذي تمزق،  وفقد توازنه بين ثقل التراث العربي الإسلامي وصدمة الغرب وفكره المهيمن.  كما أن التقارب الإيديولوجي بين صالح بن يوسف وعبد الناصر، والناتج كونهما  قد عاشا بداية مرحلة المد القومي العربي الجماهيري، إبان أحداث الجمهورية  العربية المتحدة، لم يمنع الأول من الاحتفاظ بمسافة إيديولوجية بارزة تجاه  القومية العربية العلمانية المشرقية
لذلك كانت الحركة اليوسفية عاجزة عن  بلورة مشروع فكري ثقافي يسهم في تأسيس خط قومي حديث، وبالتالي في التحول  إلـى قوة سياسية منظمة وفاعلة قادرة أن تؤثر في مستقبل تونس السياسي، وظلت  الحركة اليوسفية تعبيراً عن الإحباطات، والخيبات، وهي في نهاية الأمر حركة  رفض أكثر منها حركة بناء، والالتقاء كان أساساً حول رفض هيمنة بورقيبة وما  كان يمثله من مشاريع لتونس المستقلة.. فالعجز عن تقديم بديل، كان نابعاً  أساساً من طبيعة هذه الحركة المحافظة، القادرة أكثر على المقاومة السلبية،  مثل محافظة الفلاحين على الأرض، ومحافظة الزتيونيين على هوية البلاد،  ومحافظة الباي على العرش كرمز للسيادة التونسية. فهي حركة تلتفت إلـى  الماضي أكثر مما تنظر إلـى المستقبل، ولكن الذي يفسر فشلها خاصة، ليست  طبيعتها التي كانت تتلاءم أكثر في طبيعة المجتمع، وإنما عوامل خارجية كانت  حاسمة في تحديد مصير جميع المعارك التي شهدتها تونس في تلك الفترة سواء  السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية والحضارية (12) .
ومع  هزيمة المعارضة اليوسفية، دخلت تونس مرحلة جديدة اتسمت بهيمنة نظام الحزب  الواحد، والفكر الواحد، والرأي الواحد. فألغى نظام بورقيبة المظاهر  الديمقراطية، التي حاول أن يتظاهر بها في البداية، ومنع تواجد الأحزاب،  وقمع حرية الصحافة، وأغلق صحف المعارضة، والتجأ إلـى استخدام الإغراءات،  والى اعتماد أساليب الإرهاب والمطاردة والتصفية الجسدية، التي كان الزعيم  صالح بن يوسف أول ضحاياها، حيث تم اغتياله على يد المحترف البشير زرق  العيون، وذلك في مدينة فرانكفورت بألمانيا الغربية عام1962.
وبعد تصفية  الحركة اليوسفية، ارتمى النظام البورقيبي في أحضان الإمبريالية الغربية،  التي مكنته من كسب المعركة مع المعارضة العروبية، ورفع شعار معاداة القومية  العربية، والتضامن مع العالم الغربي. وإذا كانت الحركة القومية التقليدية  قد صفيت رسمياً من خلال تصفية جناح صالح بن يوسف في الحزب الدستوري عام  1958، فإن التيار القومي التقليدي في المغرب الأقصى قد ضرب أيضاً، حيث كان  يمثله الجناح التقدمي في حزب الاستقلال الإنضمامي، والذي انفصل فيما بعد  بقيادة الزعيم المهدي بن بركة ليكون " اتحاد القوى الشعبية ". وانتهت آخر  مواقع هذا التيار القومي التقليدي عندما ضرب " أحمد بن بلا " ممثل جناح  المغرب العربي في جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وذلك في حزيران 1965.
وبعد  أن قام النظام البورقيبي بتصفية صالح بن يوسف اغتيالاً في ألمانيا  الغربية، حدثت في تونس في نهاية عام 1962 محاولة انقلابية ذات طبيعة  برجوازية صغيرة وطنية غير ملتحمة بالجماهير، شارك فيها عدد من العسكريين  والمدنيين المنتمين إلـى المعارضة اليوسفية. فكانت فرصة جديدة للنظام  البورقيبي الذي أراد أن يبرهن من خلال استغلالها على " قوته
وجديته".  وكان حصاد هذه المحاولة إعدام أغلب العناصر المشاركة فيها. وكان من بين  المشاركين في الانقلاب وحكم عليه بالإعدام غيابياً الشيخ المسطاري بن سعيد،  الذي توفي في دمشق في تموز1997.

وفي بداية السبعينات شكلت العناصر  المتبقية من تيار المعارضة اليوسفية حركة سياسية جديدة حملت اسم " الجبهة  القومية التقدمية لتحرير تونس ". ويقول أحد قادة الجبهة ) - عمارة ضو بن  نايل : " لقد بدأ نشاطنا منذ عام 1970، وكان أول نشاط علني في العام 1972،  حيث أعلن اسم التنظيم في بيروت عبر مجلة " بيروت المساء ". وقد حملنا وقتها  اسم الجبهة القومية التقدمية لتحرير تونس، وقد توافق هذا الإعلان مع نشر  ميثاق الجبهة في المجلة ذاتها (13) .
لقد عززت الجبهة القومية التقدمية  لتحرير تونس علاقاتها مع النظامين الليبي والجزائري، حيث كانت تتمتع بوجود  سياسي شبه علني وشبه سري في ليبيا والجزائر. وعندما أعلن في تونس عن إجراء  انتخابات رئاسية عام 1974، قدمت الجبهة القومية مرشحاً باسمها هو الشيخ
أحد  رموز انقلاب عام 1962، والمحكوم عليه بالإعدام غيابياً، ويقيم في المنفى  متنقلاً بين طرابلس والجزائر ) ليكون منافساً للرئيس الحبيب بورقيبة، الذي  كان الحزب الاشتراكي الدستوري قد أتخذ قراراً بتجديد رئاسته وانتخابه  رئيساً للبلاد مدى الحياة.
وكان الشيخ المسطاري بن سعيد قد قدم طلب  ترشيحه إلـى الانتخابات الرئاسية بوساطة السفارة التونسية في الجزائر. وفي  مقابلة صحفية أجرتها معه جريدة السفير اللبنانية أعلن المسطاري عن برنامجه  الانتخابي المتمثل في نقطتين :
1- إسقاط النظام البورقيبي وخياراته السياسية و الاقتصادية والاجتماعية.
2- إقامة مجتمع ديمقراطي قومي في تونس .
وطالب  مرشح الجبهة ) السلطات التونسية، باحترام النصوص القانونية لدستور البلاد،  وإفساح المجال لكل الشعب التونسي للمشاركة في الانتخابات الرئاسية بحيث  تشمل التوانسة المقيمين في الخارج، والبالغ عددهم 800) ألف شخص، كما طالب  بتأليف لجنة محايدة لمراقبة الانتخابات من قبل جامعة الدول العربية (14) .
وصعق  الرئيس الحبيب بورقيبة آنذاك من سماع مرشح تونسي محكوم عليه بالإعدام  ينافسه في تلك الانتخابات الرئاسية، فما كان رده إلا أن صعد الهجوم على  الجبهة )، ورفض قبول ترشيح المسطاري بن سعيد إلـى الانتخابات الرئاسية. وقد  ساق بورقيبة اتهامات للجبهة القومية لتحرير تونس، تتمثل في تبعيتها  لليبيا، وفي سعيها إلـى الوحدة مع ليبيا ) (15) .
في غضون ذلك شنت  الأجهزة القمعية التونسية حملة اعتقالات واسعة في صفوف أعضاء الجبهة ) في  البلاد. وقد تم تقديم (33) معتقلاً للمحاكمة بتهمة (16) :
1 - تفجير السفارة الأميركية ودار البيعة اليهودية، ومقر الحزب الحاكم.
2 - محاولة الاعتداء على رئيس الدولة الحبيب بورقيبة.
3 - الانتماء إلـى تنظيم غير مرخص له.
وصدرت  الأحكام بحق المتهمين التي راوحت ما بين عام إلـى ستة عشر عاماً سجناً،  وكان من بين المحكومين أحمد مصباح ضو المرغني أحد قياديي الجبهة، والذي قاد  عملية قفصة العسكرية عام 1980.
بعد تلك المحاكمة، عززت الجبهة القومية  التقدمية لتحرير تونس علاقاتها مع ليبيا، حيث تركز نشاطها في الجماهيرية  الليبية، التي كانت تشكل قاعدة خلفية لها تحمي نفسها من هجمة النظام  التونسي عليها، خصوصاً أن العلاقات بين ليبيا والنظام التونسي آنذاك كانت  دائماً متوترة، بسبب إعلان القذافي محاربته للرجعية العربية. كما كانت  للجبهة علاقات مع بعض فصائلالمقاومة الفلسطينية باستثناء حركة فتح، التي  كان ممثلها في تونس الحَكم بلعاوي ) مرتبطاً بأجهزة المخابرات التونسية،  وكان يتعاون معها ضد فصائل الحركة الوطنية التونسية المعارضة، فضلاً عن أن  فتح ذاتها لها علاقات جيدة مع النظام التونسي. واستقطبت الجبهة ) العديد من  العناصر التونسية التي انخرطت مبكراً في صفوف التنظيمات الفلسطينية، وكذلك  العمال العاملين في ليبيا، وشكلت منهم " لجانا ثورية "، وقامت بتدريبهم  عسكرياً في معسكرات الجبهة الشعبية القيادة العامة أحمد جبريل )، قبل أن  تستأنف نشاطها العسكري، حيث نظمت، وقادت عملية "انتفاضة عسكرية " في مدينة  قفصة في 27 كانون الثاني/يناير 1980، عبر رحلة طويلة انطلقت من بيروت إلى  روما والى طرابلس، ثم من طرابلس إلى روما والى الجزائر.
وقد لعبت أجهزة  الاستخبارات الليبية، وجهاز الأمن العسكري الجزائري بقيادة قاصدي مرباح  دوراً رئيسياً في الترتيب والإعداد اللوجيستيكي لهذه العملية، التي كان من  أبرز قادتها التونسيين أحمد المرغني، وعز الدين الشريف، اللذين قادا الهجوم  العسكري على قفصة. ويقول صافي السعيد في كتابه الجديد " بورقيبة رحيل آخر  البايات.. "، حول هذا الموضوع، ما يلي : " بدءاً من عام 1975 راودت  الجزائريين والليبيين أفكار كثيرة للإطاحة بنويرة رئيس الحكومة الأسبق  ونظام بورقيبة. كانت كل دولة تحاول جذبه إليها، لكن نويرة لم يكن ليضعف لا  باتجاه الشرق ولا باتجاه الغرب. ساءت علاقات ليبيا مع مصر بسبب " كامب  ديفيد " فلم تقف تونس إلى جانبها، وساءت علاقات الجزائر مع المغرب بسبب  الصحراء الغربية فراوحت تونس مكانها بل مالت نحو المغرب. كان الاتفاق  الضمني، وهو أن بومدين والقذافي حاصلاً باتجاه تونس في حده الأدنى، وهو أن  النظام قد تآكل وصراعاته الداخلية قد تضعف موقفيهما، ولكنهما لم يكونا  يملكان خطة مشتركة للإطاحة به ولا اتفاقا مشتركاً على إقامة نوع من الوفاق  على أرض تونس. في تلك اللحظة لاحت فكرة في رؤوس البعض في العاصمتين الليبية  والجزائرية مفادها أن نظام بورقيبة على شفير الحفرة ولا يحتاج إلا إلى  ركلة صغيرة لكي يقع في تلك الحفرة. لم يكونا يملكان رجالاً داخل الجيش  التونسي، كما كانا حذرين من تهمة التدخل واستفزاز الغرب، وخاصة أميركا التي  كانت تبحث عن مدخل للتمدد تجاه ليبيا والجزائر. وفي ذلك الوقت بالضبط بدأ  سيناريو ما سوف يعرف بعملية قفصة يتضح للرجال المكلفين في كل من ليبيا  والجزائر لمعالجة ملف تونس كان بومدين قد وضع فجأة تحت طائلة ذلك المرض  الذي سيأخذه من الحياة، حين سافر رئيس مخابراته العسكري قاصدي مرباح إلى  طرابلس ليضع مع رجال القذافي اللمسات الأخيرة للهجوم الذي سيستهدف مدينة  قفصة الجنوبية في كانون الثاني 1980. كانت العملية ستنطلق في صيف 1979،  ولكنها تأجلت بسبب مرض بومدين، فوقعت في عهد الشاذلي بن جديد الذي لم يكن  يعلم بها.. وكما أوضح القذافي فيما بعد لإحدى الصحف الأجنبية فإن مرباح هو  الذي أعد الخطة مع بومدين وجاء إلى البيت ليطلب المساعدة والمشاركة (17) .
ورغم  ما أحدثته عملية قفصة العسكرية من صدمة عنيفة هزت أركان السلطة في تونس  بخياراتها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، إذ عجلت برحيل رئيس الحكومة  الهادي نويرة من السلطة، ومجيء محمد المزالي إلى رئاسة الحكومة في  نيسان/أبريل عام 1980، إلا أن الجبهة القومية التقدمية لتحرير تونس خسرت  المعركة عسكرياً، وبالتالي سياسياً في عملية المواجهة مع النظام.
كانت  الخطة تقف عند حدود أحداث صدمة لنظام بورقيبة في إحدى مدنه المهمة التي  عرفت تقليدياً بالتمرد، ولكن الذين اختيروا لتنفيذها من التونسيين، كانوا  يعتقدون بأنهم ذاهبون لإعلان بدء الثورة المسلحة، لقد فات أولئك الشباب  الغاضب والمندفع أن لا ليبيا ولا الجزائر تريد ثورة مسلحة على حدودها، وكما  اعتقدوا أن الإمدادات ستأتيهم حين يتمكنون من السيطرة على مدينة قفصة، فقد  توهموا أيضاً أنهم كانوا يقومون بعمل شعبي سيسانده " كل الشعب " حالما  يعلن عن نفسه.
وبما أن الجبهة القومية التقدمية لتحرير تونس تمثل تياراً  قومياً تقليدياً، هو امتداد طبيعي وموضوعي، فكري وسياسي للحركة اليوسفية،  فإنها عجزت سياسياً وتاريخياً عن أن تشكل "بديلاً ثورياًَ حقيقياً "، "  لتحرير تونس "، ولا نقيضاً للنظام التونسي. وبما أن الأصل أي الحركة  اليوسفية ) قد أنهزم، فلا بد للامتداد الطبيعي الذي تفرع عنه أي الجبهة  القومية لتحرير تونس ) من أن ينهزم أيضاً ولو بعد فترة من الزمن
(1) -  المنجي وارده - جذور الحركة اليوسفية - المجلة التاريخية المغاربية - العدد  71 - 72مؤسسة التميمي - زغوان، تونس، ايار/ مايو ص 482 ).
(2) - المرجع السابق عينه ص 483).
(3)  - محمد بن عبود و د. جاك كاني : مؤتمر المغرب العربي سنة 1947 وبداية نشاط  المغرب العربي في القاهرة : عملية ابن عبد الكريم ص 7 - 30 ) المجلة  التاريخية المغربية عدد 25 - 26، حزيران 1982، تونس ص2).
(4) - منجي وارده - مرجع سابق ص 513 ).
(5) - بلاغ - 17 نوفمبر 1955 عدد 136 ص 1 ).
(6) - Le Petit matin 19 Fevrier 1965^
(7)  - إحصائية من خلال صحيفة " لوبتي ماتن " قام بها مصطفى بن عامر، نشرها في  دراسة بعنوان : " سيرة صالح ابن يوسف - قراءة نقدية تعريب محمد معالي )  صدرت بمجلة أطروحات عدد 15 1989.
(8) - الطيب الرياحي - مقدمة لفهم  الصراع الفوقي - مقال منشور في مجلة وعي الضرورة - العدد الأول مايو -  حزيران 1978 - صدرت في بيروت - ص 117 ).
(9) - حوار بورقيبة لصحيفة Le Combat - نقلته الصباح 14 أيلول سبتمبر 1955.
(10) - نداء يوسف الرويسي إلـى الشعب التونسي، البلاغ 12 نوفمبر 1955، عدد 131
ص 1 ).
(11)  - أنظر " الكتاب الأبيض " في الخلاف بين الجمهورية التونسية والجمهورية  العربية المتحدة، أصدرته كتابة الدولة للشؤون الخارجية للجمهورية التونسية  في ديسمبر 1956.
(12) - المنجي وارده - مرجع سابق ص 562 ).
(13) - مجلة النشرة - قبرص - العدد (17) تاريخ 23/3/1984. أنظر المقابلة مع عمارة ضو بن نايل ص 19 - 21 ).
(14) - السفير اللبنانية تاريخ 2/7/1974 حوار مع الشيخ المسطاري بن سعيد.
(15) - المرجع السابق عينه.
(16) - مجلة النشرة - قبرص - مرجع سابق.
(17)  - الصافي سعيد " بورقيبة " سيرة شبه محرمة - دار رياض الريس للكتب والنشر -  بيروت - الطبعة الأولى - تشرين الثاني/نوفمبر 2000 ص355


 

توقيع ( تطاوين دال )
التوقيع : ساهم في اعطاء رأي أو فكرة أو اكتب مقالا تستشرف به معنا مستقبل تطاوين.مستقبل تطاوين بين أيديكم.فلنجعل اليد في اليد لنحقق طموحتنا وتطلعاتنا حتى تكون تطاوين الغد أفضل وستكون بحول الله